السيد محمد تقي المدرسي
335
من هدى القرآن
ساعات صعبة حبلى بالمشاكل والألم ، فالمهاجر يقتلع نفسه من مجتمعه ، ويعيش غريبا ، مجهول المصير ، ولعل تلك الساعة التي آوى فيها موسى إلى ظل الشجرة كانت من تلك الساعات ، فهو الآن جائع ومتعب من وعثاء السفر ، في بلد لا يعرف فيه أحدا ، بالإضافة إلى هموم شعبه المستضعف ، وربما كان خوف فرعون لا يزال يلاحقه ، ولم يتخلص منه نهائيا إلا بعد أن أخبره شعيب بأنه قد نجا - فعلا - من القوم الظالمين . أما الوجه الآخر للهجرة ، فهي رحمة الله التي ترعى المجاهدين ، وفي هذه الآيات الكريمة نجد حديثا عن أبواب الرحمة والبركة التي فتحها إلى نبيه موسى عليه السلام فقد جاءته إحدى الامرأتين اللتين سقى لهما ، وهي تدعوه إلى بيتهم حتى يجزيه أبوها أجر السقاية ، وتتابعت عليه بركات الرب ، حيث أضحى واحدا من هذا البيت بعد أن كان غريبا في مدين ، ومستقرا بعد أن كان من دون مأوى ، ونقرأ بين السطور دروساً إلهية مهمة حول أخلاقيات المهاجر الرسالي . وتتجلى الرحمة الإلهية مرة أخرى وبصورة أعظم حينما يرجع موسى بأهله إلى وطنه والمشاكل تحوطه من كل جانب ، فالليل حالك الظلمة ، والبرد قارص ، وزوجته حامل ، وهم يسيرون في مفازة شاسعة ، دون معرفة بمعالم الطريق ، وفي الأثناء تموت مواشيه ، وهو لا يعرف ماذا يصنع ، وإذا بيد الغيب تمتد إليه لا لكي تستنقذ موسى فقط ، وإنما لكي تستنقذ معه بني إسرائيل أيضا . في بادئ الأمر لما رأى موسى النار لم يكن في خلده سوى الاستفادة من جذوتها للتدفئة ، وممن حولها الاهتداء إلى الطريق ، ولكن ما إن بلغها حتى سمع النداء : إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى [ طه : 12 ] ، وحينها انسلخ من كل الانتماءات المادية ، ونسي كل الهموم والآلام ، وتوجه إلى ربه بكل عقله وعواطفه ، وهنا تتجلى عظمة الأنبياء ، فإذا بموسى عليه السلام لا يخلع نعليه وحسب ، بل يخلع كل انتماءات الأرض والتراب عن نفسه ، ويأتيه الوحي من طور سيناء ، دون أن يلتفت إلى زوجته الحامل ، ولا مواشيه التي هلكت والتي كانت حصيلة عشر سنوات من العمل . بينات من الآيات : أخلاقيات المهاجر [ 25 ] المهاجر باعتباره غريبا عن بلد الهجرة ، يجب أن يكون متساميا في الأدب ، لأنه لا يعرف البلد ، ولا يعرف خصائصه الاجتماعية ، وربما يوجد فيه من يعتقد بأنه ثقيل الظل ،